الشعارات الرنانة حول "الدفاع عن الإيمان" و"الحفاظ على الإيمان" غالبًا ما تخفي ورائها وعيًا بإن الإيمان هو مجموعة من البنود النظرية التي يجب حفظها كما هي بدون فهم أو وعي .. ويتبع هذا خلط بين العقيدة والرأي .. وما هو ثابت في الكنيسة وأي تغيير فيه يعد ارتدادًا عن المسيحية .. وما هو قابل للشرح والنمو والتعدد في الآراء
اعتدنا أن نرى مشهدًا لأحد الخدام النشيطين في كنائسنا، يردد بحماس: "آبائنا أثناسيوس وكيرلس وديوسقورس حفظوا الإيمان وعلموا العالم" وهو مع الأسف الشديد لم يقرأ سطرًا واحدًا لأثناسيوس ولا لكيرلس .. ولا يعرف أطروحات أي منهما في مواجهة الهراطقة .. ولا يعرف حتى الكتابات التي دونوها ..
يعني بيدافع عن حاجة هو ميعرفهاش
على الناحية الأخرى .. نجد أثناسيوس .. الذي تعطيه الكنيسة لقب "الرسولي" .. يقدم رؤيةً متكاملة لهذا "الإيمان" في كتاباته .. رؤيةً ترى الإيمان المسيحي كموقف من الوجود .. وكإجابة على سؤال وجود الإنسان وغايته ومعناه .. وهو ما كان المنطلق لدفاعه في نيقية ضد الأريوسية
القديس أثناسيوس يقدّم حُجّتين في غاية الأهمية حول ألوهية الابن، وكلاهما حُجتّان وجوديتان، تمس صميم الوجود الإنساني:
١- من جهة وجود الإنسان
بيشرح القديس أثناسيوس في "ضد الأريوسيين" وفي "تجسد الكلمة" إن الإنسان مخلوق على صورة الكلمة .. يعني بيستمدّ وجوده من اللوغوس .. وإن الإنسان أتى من العدم .. وكل ما أتى من العدم مصيره النهائي هو العدم مرة أخرى ما لم يُمنَح ثباتًا حقيقيًا في الوجود الحقيقي وهو الله .. وده بيتحقق للإنسان من خلال الشركة في اللوغوس الابن الوحيد ..
من هذا المنطلق بيقدّم دفاعه وشهادته لألوهية المسيح .. لأنه لو لم يكن الكلمة مساوٍ للآب في الجوهر، مش هيقدر يمنح الإنسان نعمة الوجود، أو الشركة في الوجود، لأن مَن ليس له الوجود بالطبيعة لا يقدر أن يمنحه بالمشاركة .. بمعنى إني أنا موجود دلوقتي لأن اللوغوس (اللي أنا مخلوق على صورته) بيوجِدني في هذه اللحظة .. وبيُخرِجني من العدم إلى الوجود في كل لحظة من لحظات حياتي .. وبالتالي .. لو لم يكن هذا اللوغوس ربٌ وإله مساوٍ للآب في الجوهر وعدم الابتداء .. أنا مش هكون موجود .. لأني موجود من خلال اللوغوس .. وساعتها اللوغوس هيكون غير قادر إنه يمنحني الوجود .. لإنه بيتلقاه من أخر بحسب الهرطقة الأريوسية...
ثانيًا من جهة تحقيق غاية الوجود الإنساني
بيستكمل المعلم السكندري الرؤية الوجودية عن خلاص الإنسان في تجسد الابن الوحيد وموته وقيامته بكونه تحقيق غاية الخلق وتحقيق المثال اللي دُعيَ ليه الإنسان في عَدَن، وعجز عن إنه يحققه. فأتى اللوغوس لكي يعيد تأسيس العلاقة اللي أفسدها الإنسان من جديد، بإنه يوحّد نفسه بالإنسان ويجمع الكل في شخصه ويقدّم الكيان الإنساني ذبيحة لله الآب، فيُستعاد الإنسان إلى الله، ويُرَد إلى رتبته (غاية خلقه). ومن خلال الإفخارستيا (الشركة في حياة الابن المتجسد واجتيازه خبرة صليب وقيامة المسيح) يُمنَح الإنسان شركة الحياة الإلهية، وتكتمل شركته مع الله في الدهر الآتي .. ومن هذا المنطلق الوجودي الخلاصي أيضًا بيقدّم دفاعه في مواجهة الأريوسية .. وبيقول إن لو مكانش الابن له ذات جوهر الآب مكانش هيقدر يعطينا شركة الحياة الإلهية .. ويعرّفنا بالآب .. لأن مَن ليس له الآب بالطبيعة .. لا يقدر أن يمنحنا الشركة معه .. وبالتالي خلاصنا (اتحادنا بالله) في خطر .. ونلاقيه بيردد هذه الكلمات "لو لم يكن المسيح ربًا وإله لما استطاع أن يخلصنا، ولما استطاع أن يؤلهنا، ولما استطاع أن يُشرِكنا في حياته الإلهية"
وعلى مدى كتاباته بيؤسس لجدلية الوجود/ العدم وبينطلق منها ناحية كل المفاهيم الثيولوجية والإيكونومية على حدٍ سواء .. وبيبني رؤية لاهوتية متكاملة لخلق وسقوط وخلاص الإنسان من منطلق وجودي يعطي معنى حقيقي لوجود الإنسان
الدرس اللي نتعلمه من القديس أثناسيوس إن لو مكانش هذا الإيمان .. إيمان نيقية والقسطنطينية وأفسس .. إيمان أثناسيوس وكيرلس وديوسقورس .. قدر يشكّل رؤيتك تجاه العالم .. ويصبغ عالمك بالصبغة المسيحية .. ويخليك تشوف كل شيء في الوجود من هذا المنطلق .. وتتحول هذه الرؤية إلى نمط حياة وسلوك وموقف من الوجود .. يبقى متكلمنيش عن الدفاع عن الإيمان والحفاظ عليه لإنك لسة مفهمتش أصلًا جوهره .. لأنه زي ما شفنا في نيقية وفي أثناسيوس .. الدفاع عن الإيمان مهوّاش عملية من الحزق والانفعال .. ولكنه ببساطة "شهادة" .. بيكون فيها نمط الحياة الكنسي والمسيحي المستقيم نفسه هو الشاهد والمدافع في مواجهة الانحراف أو الهرطقة اللي بيعرّفها اللاهوتيين المعاصرين على إنها مش مجرد نظرية خاطئة ولكن خلل في العلاقة بين الله والإنسان .. اللي أُعلِنَت لينا في الابن الوحيد يسوع المسيح ربنا
هذه الأفكار كانت جزء من دراسة اشتغلت عليها مؤخرًا بعنوان "التصوُّر الوجودي الخلاصي في لاهوت القديس أثناسيوس" ربما يتم تقديمها كمحاضرة في القريب غير العاجل.